مواقع موريتانية وعالمية
الإصلاحات والسياسات العامة في موريتانيا) 2019–2026(: دراسة تحليلية في خمسة عشر) 15( مؤشرًا رئيسياً في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية

محمد فال ولد يحيى
مقدمة
شهدت موريتانيا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2026 مرحلة مفصلية في مسار السياسات العامة، تميزت بتزامن تنفيذ إصلاحات اقتصادية واجتماعية ومؤسسية مع تحولات دولية وإقليمية عميقة، في مقدمتها تداعيات جائحة كوفيد-19، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب بروز فرص استراتيجية جديدة تمثلت في دخول مشاريع الغاز الطبيعي مرحلة الإنتاج، وتزايد الاهتمام الدولي بإمكانات البلاد في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. وقد فرض هذا السياق على صناع القرار تبني سياسات تهدف إلى تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود ،وتحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي وأولويات التنمية الاجتماعية والإصلاح المؤسسي.
وتستند هذه الدراسة إلى مقاربة تحليلية تعتمد على قراءة تطور السياسات العامة من خلال المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، انطلاقًا من فرضية مفادها أن تقييم فعالية الإصلاحات لا يمكن أن يقتصر على تحليل النصوص والسياسات المعلنة، وإنما ينبغي أن يستند إلى قياس أثرها من خلال مؤشرات كمية ونوعية تعكس مستوى الأداء والنتائج المحققة. ولهذا الغرض، اعتمدت الدراسة على تقارير المؤسسات الوطنية والدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي(IMF) ، والبنك الدولي(World Bank) ، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، ومنظمة الشفافية الدولية، إضافة إلى بيانات البنك المركزي الموريتاني والمكتب الوطني للإحصاء والوثائق الحكومية الرسمية.
ويستعرض المقال خمسة عشر) 15( مؤشرًا رئيسيًا تغطي مختلف أبعاد التنمية، موزعة على ثلاثة محاور مترابطة:
- المؤشرات الاقتصادية) 8 مؤشرات(: معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، ومعدل التضخم، ورصيد الميزانية العامة، والاستثمار الأجنبي المباشر، والصادرات السلعية، والواردات السلعية، والديناميكية الاقتصادية العامة .
- المؤشرات الاجتماعية) 4 مؤشرات(: معدل الفقر، والإنفاق العام على التعليم، والإنفاق العام على الصحة، ومؤشر التنمية البشرية(HDI).
- المؤشرات المؤسسية والحوكمة ) 3 مؤشرات(: مؤشر مدركات الفساد(CPI) ، ومؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية
(EGDI)، ومؤشرات الحوكمة العالمية (WGI)
ومن خلال تحليل هذه المؤشرات، تسعى هذه الدراسة إلى تقييم مدى نجاح الإصلاحات والسياسات العامة في تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية، هي: تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتحسين مؤشرات التنمية البشرية، ورفع كفاءة المؤسسات والحوكمة، مع الوقوف على أبرز التحديات والفرص التي ستؤثر في مسار التنمية خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحولات المرتبطة باستغلال موارد الغاز الطبيعي وتسريع الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر.
ويهدف هذا التحليل إلى تقديم تقييم موضوعي يستند إلى الأدلة الكمية والبيانات الرسمية، بما يسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول مسار الإصلاحات في موريتانيا، ويوفر إطارًا مرجعيًا يمكن الاستناد إليه في تقييم السياسات العامة وصياغة الخيارات التنموية المستقبلية.
أولاً: الأداء الاقتصادي بين الاستقرار والإصلاح
اتسمت السياسة الاقتصادية في موريتانيا خلال الفترة) 2019–2026( بالتركيز على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي في ظل بيئة دولية اتسمت بدرجة عالية من عدم اليقين، تأثرت بتداعيات جائحة كوفيد-19، والاضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وفي هذا السياق، تبنت الحكومة حزمة من الإصلاحات المالية والنقدية والإدارية الهادفة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات، وتحسين تعبئة الموارد، وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، وذلك في إطار برامج إصلاحية حظيت بدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وتبرز المؤشرات الاقتصادية الكلية نجاح هذه السياسات في استعادة مسار النمو بعد الانكماش الذي شهده الاقتصاد خلال عام2020. فقد انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من %5.9عام 2019 إلى %0.9-عام 2020 نتيجة التداعيات الاقتصادية للجائحة، قبل أن يستعيد الاقتصاد زخمه تدريجيًا ليسجل %2.4عام 2021، ثم يرتفع إلى %6.4عام 2022 و %6.5عام 2023، مع توقعات باستمرار النمو في حدود %5.0–4.5خلال الفترة 2024–2026 .ويعكس هذا الأداء قدرة الاقتصاد على تجاوز آثار الأزمة الصحية العالمية، كما يعكس الأثر الإيجابي لارتفاع إنتاج التعدين، واقتراب مشاريع الغاز الطبيعي من مرحلة الإنتاج التجاري، واستمرار الاستثمار في البنية التحتية، خاصة في مجالات النقل والطاقة والمياه والموانئ، وهي قطاعات تؤكد الأدبيات الاقتصادية دورها المحوري في رفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
وعلى مستوى الاستقرار النقدي، شهدت البلاد ضغوطًا تضخمية خلال عام 2022 نتيجة التداعيات العالمية للحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، حيث بلغ معدل التضخم نحو %9.5بعد أن كان في حدود %2.4عام 2020 .
إلا أن السياسة النقدية التي انتهجها البنك المركزي، إلى جانب تحسن الأوضاع في الأسواق الدولية واستقرار سعر الصرف ،أسهمت في احتواء هذه الضغوط، لينخفض التضخم إلى نحو %1.6عام 2024، مع توقعات باستقراره بين %2و3% خلال عامي 2025 و2026، وهو ما يعكس نجاح السلطات النقدية في استعادة استقرار الأسعار والحفاظ على القوة الشرائية في ظل بيئة اقتصادية عالمية متقلبة.
أما على صعيد المالية العامة، فتشير المؤشرات إلى تحسن ملحوظ في أوضاع الميزانية، حيث انتقل الرصيد المالي من عجز
بلغ نحو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2020 إلى فائض يناهز 1.8% عام 2022، قبل أن يستقر عند مستوى
يقارب %1من الناتج المحلي خلال الفترة 2023–2025 ويعكس هذا التحسن نتائج الإصلاحات المتعلقة بتعبئة الإيرادات الضريبية، وترشيد الإنفاق العمومي، وتحسين إدارة المالية العامة، إضافة إلى الاستفادة من الارتفاع الذي شهدته أسعار المعادن في الأسواق العالمية، وهو ما وفر هامشًا ماليًا أكبر لدعم الاستثمارات العمومية والبرامج الاجتماعية.
كما تعكس تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تنامي ثقة المستثمرين في الاقتصاد الموريتاني، إذ ارتفعت من نحو 470مليون دولار أمريكي عام 2019 إلى أكثر من 1.1مليار دولار عام 2023، وهو أعلى مستوى خلال العقد الأخير، ويرتبط هذا التطور بتسارع الاستثمارات في مشاريع الغاز الطبيعي، وفي مقدمتها مشروع السلحفاة الكبرى آحميم(GTA) ، إلى جانب توسع الاستثمارات في قطاعات التعدين والطاقة المتجددة، بما فيها مشاريع الهيدروجين الأخضر، الأمر الذي عزز مكانة موريتانيا باعتبارها إحدى الوجهات الاستثمارية الواعدة في غرب إفريقيا.
وفي السياق نفسه، شهد قطاع التجارة الخارجية تحسنًا ملحوظًا، حيث ارتفعت قيمة الصادرات السلعية من نحو 3.0مليارات دولار أمريكي عام 2019 إلى أكثر من 4.5مليارات دولار عام 2023، مدفوعة بارتفاع صادرات خام الحديد والذهب والمنتجات السمكية، مع بداية دخول قطاع الغاز ضمن الهيكل التصديري في نهاية الفترة وفي المقابل، ارتفعت الواردات من 2.6مليار دولار إلى نحو 3.8مليارات دولار نتيجة زيادة الطلب على المعدات الرأسمالية والمواد الغذائية والمنتجات النفطية، إلا أن الأداء القوي للصادرات ساهم في الحفاظ على وضع خارجي أكثر توازنًا مقارنة بالعديد من الاقتصادات النامية.
ورغم هذه النتائج الإيجابية، فإن التحليل الاقتصادي يشير إلى أن النمو ظل يعتمد بدرجة كبيرة على القطاعات الاستخراجية ،وهو ما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق الدولية وأسعار السلع الأولية لذلك، تظل قضي ة تنويع القاعدة الإنتاجية أحد أهم التحديات الاستراتيجية خلال المرحلة المقبلة، من خلال تطوير الزراعة والصناعة التحويلية والخدمات والاقتصاد الرقمي، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في خلق القيمة المضافة وفرص العمل، بما يضمن استدامة النمو الاقتصادي ويحد من تقلباته مستقبلا ً.
ثانياً: السياسات الاجتماعية والاستثمار في رأس المال البشري
شكّلت السياسات الاجتماعية أحد المرتكزات الأساسية للإصلاحات الحكومية في موريتانيا خلال الفترة )2019–2026(، انطلاقًا من إدراك متزايد بأن تحقيق النمو الاقتصادي لا يكتمل دون تعزيز العدالة الاجتماعية والاستثمار في رأس المال البشري. وقد اكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كوفيد-19، وما رافقها من ضغوط على مستويات الدخل والتشغيل والأمن الغذائي، الأمر الذي دفع السلطات العمومية إلى توسيع برامج الحمايةالاجتماعية، وتعزيز شبكات الأمان، والاستمرار في تمويل القطاعات الاجتماعية الأساسية.
وتشير المؤشرات الاجتماعية إلى تحسن تدريجي في أوضاع التنمية البشرية، رغم استمرار تحديات الفقر والبطالة واتساع الفوارق المجالية فقد انخفض معدل الفقر النقدي من نحو %31.8عام 2019 إلى ما يقارب %27–26بحلول عام 2024، وفق البيانات الواردة في المقال والمستندة إلى تقديرات المكتب الوطني للإحصاء والبنك الدولي ويعكس هذا التراجع التأثير المشترك لتحسن الأداء الاقتصادي، وتوسيع برامج التحويلات النقدية والدعم الاجتماعي، إضافة إلى الجهود الحكومية الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي ودعم الفئات الأكثر هشاشة، بما أسهم في الحد من الآثار الاجتماعية للأزمات الخارجية.
وفي موازاة ذلك، حافظت الدولة على مستويات مستقرة من الإنفاق العمومي على القطاعات الاجتماعية، حيث تراوح الإنفاق على قطاع التعليم بين 3.5% و 4.0% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ الإنفاق على قطاع الصحة نحو 2.5–3.0%
من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة المدروسة وتعكس هذه المستويات استمرار اعتبار التعليم والصحة استثمارًا استراتيجيًا في رأس المال البشري، باعتبارهما من أهم المحددات طويلة الأجل للإنتاجية والنمو الاقتصادي المستدام، فضلاً عن مساهمتهما في تحسين جودة الحياة وتعزيز فرص الاندماج الاجتماعي.
كما تظُهر مؤشرات التنمية البشرية تحسنًا تدريجيًا في الأبعاد الأساسية للتنمية، إذ ارتفع مؤشر التنمية البشرية (HDI) من
نحو 0.546عام 2019 إلى حوالي 0.563في تقرير التنمية البشرية لعام 2025 )استنادًا إلى بيانات 2024( ويعكس هذا التطور تحسنًا نسبيًا في متوسط العمر المتوقع، ومستويات التعليم، ونصيب الفرد من الدخل، بما يؤكد أن ثمار الإصلاحات الاقتصادية بدأت تنعكس تدريجيًا على مؤشرات الرفاه الاجتماعي، وإن كان هذا التحسن لا يزال محدوداً مقارنة بالطموحات الوطنية ومتطلبات تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ومن منظور اقتصادي، تؤكد هذه المؤشرات أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم الشروط اللازمة لتحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية شاملة ومستدامة فاستمرار تحسين جودة التعليم والتكوين المهني والخدمات الصحية من شأنه أن يرفع إنتاجية القوى العاملة، ويزيد من قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب التحولات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والصناعات الاستخراجية، خاصة مع دخول موريتانيا مرحلة جديدة من استغلال الغاز الطبيعي غير أن استمرار معدلات البطالة، والتفاوت في جودة الخدمات الأساسية بين المناطق الحضرية والريفية، يبرز الحاجة إلى تعميق الإصلاحات الاجتماعية، وتحسين كفاءة الإنفاق العمومي، وتعزيز استهداف الفئات الأكثر هشاشة، بما يضمن توزيعًا أكثر عدالة لعوائد النمو الاقتصادي.
ثالثاً: الحوكمة والإصلاح المؤسسي
مثلّ الإصلاح المؤسسي أحد المحاور الرئيسة للسياسات العامة خلال الفترة )2019–2026(، انطلاقًا من إدراك متزايد بأن فعالية المؤسسات العمومية تمثل شرطًا أساسيًا لنجاح الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التنمية المستدامة وفي هذا الإطار، اتجهت السياسات الحكومية نحو تحديث الإدارة العمومية، وتحسين إدارة المالية العامة، وتعزيز التحول الرقمي ،وتطوير آليات الرقابة والشفافية، بما ينسجم مع الممارسات الدولية الرشيدة في مجال الحوكمة.
وتؤكد الأدبيات الاقتصادية أن جودة المؤسسات تعد من أهم محددات النمو طويل الأجل، إذ لا تقاس الحوكمة الرشيدة بسن التشريعات والإصلاحات القانونية فحسب، وإنما بقدرة المؤسسات على تنفيذ السياسات بكفاءة، وضمان الشفافية والمساءلة، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين في الإدارة العامة.
وتشير مؤشرات الحوكمة العالمية(Worldwide Governance Indicators – WGI) الصادرة عن البنك الدولي إلى تحسن تدريجي في أداء موريتانيا خلال الفترة محل الدراسة، خاصة فيما يتعلق بمؤشرات فعالية الحكومة، وجودة التنظيم، وسيادة القانون، والاستقرار السياسي وغياب العنف ويعكس هذا التطور الجهود المبذولة لتحديث الإدارة العمومية، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير منظومة إدارة المالية العامة، بما أسهم في تعزيز قدرة المؤسسات على تنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية بصورة أكثر كفاءة. ومع ذلك، لا تزال المؤشرات المتعلقة بالمساءلة والمشاركة والسيطرة على الفساد تعكس تحديات هيكلية تستدعي مواصلة الإصلاحات المؤسسية وتعزيز استقلالية أجهزة الرقابة وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة. ويتضح هذا المسار كذلك من خلال مؤشر مدركات الفساد (CPI) الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حيث ارتفعت درجةموريتانيا تدريجيًا من 29نقطة عام 2019 إلى 30نقطة عام 2020، ثم 31نقطة عام 2021، و 32نقطة عام 2022، قبل أن تبلغ 33نقطة خلال عامي 2023 و2024 ورغم أن هذا التحسن يعكس تطورًا إيجابيًا في إدراك نزاهة الإدارة العامة، فإنه يظل محدودًاً مقارنة بالمعايير الدولية، بما يشير إلى أن جهود مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية لا تزال بحاجة إلى مزيد من التعزيز، سواء على مستوى الوقاية أو إنفاذ القانون أو تطوير آليات الرقابة المؤسسية.
وفي مجال التحول الرقمي، شهدت موريتانيا تقدمًا تدريجيًا في تطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية، حيث ارتفع مؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية (EGDI) الصادر عن الأمم المتحدة من نحو 0.29في تقرير عام 2020 إلى ما يقارب 0.35في تقرير عام 2024 ويعكس هذا التحسن توسع الخدمات الرقمية، وتحسين البنية التحتية التكنولوجية، وزيادة إتاحة الخدمات الإدارية عبر المنصات الإلكترونية، بما أسهم في تبسيط الإجراءات الإدارية وتحسين كفاءة تقديم الخدمات للمواطنين والمؤسسات ومع ذلك، لا يزال مستوى الأداء أقل من المتوسط العالمي، الأمر الذي يستدعي مواصلة الاستثمار في البنية الرقمية، وتطوير المهارات الرقمية داخل الإدارة العمومية، وتعزيز الشمول الرقمي لضمان استفادة مختلف فئات المجتمع من الخدمات الحكومية الإلكترونية.
وتشير القراءة التحليلية لهذه المؤشرات إلى أن الإصلاح المؤسسي في موريتانيا حقق تقدمًا تدريجيًا في بناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على تنفيذ السياسات العامة، وهو ما انعكس إيجابًا على مؤشرات الاستقرار الاقتصادي وجاذبية الاستثمار غير أن تحقيق تحول مؤسسي مستدام يتطلب الانتقال من مرحلة تطوير الأطر القانونية والإدارية إلى مرحلة تعميق الإصلاحات المتعلقة بالشفافية، والرقمنة الشاملة، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتعزيز استقلالية مؤسسات الرقابة والمساءلة، بما يضمن ترسيخ الحوكمة الرشيدة بوصفها ركيزة أساسية لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.
خلاصة:
تكشف قراءة السياسات العامة في موريتانيا خلال الفترة) 2019–2026( عن تبني مقاربة إصلاحية متكاملة سعت إلى تحقيق التوازن بين الاستقرار الاقتصادي، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحديث المؤسسات، والانفتاح على الشراكات الدولية، في سياق دولي اتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين نتيجة تداعيات جائحة كوفيد-19، واضطرابات الاقتصاد العالمي، والتغيرات الجيوسياسية. وتظهر المؤشرات الاقتصادية أن الاقتصاد الموريتاني تمكن من استعادة ديناميكية النمو بعد الانكماش الذي شهده عام 2020، مستفيدًاً من الإصلاحات المالية والنقدية، وتحسن أداء القطاعات الاستخراجية، وتزايد الاستثمارات الأجنبية، ولا سيما في مشاريع الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، وهو ما عزز الاستقرار الاقتصادي الكلي وحسن من جاذبية البلاد للاستثمار.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تشير المؤشرات إلى أن النمو الاقتصادي ترافق مع تحسن تدريجي في بعض مؤشرات التنمية البشرية، من خلال تراجع مستويات الفقر، واستمرار الاستثمار في التعليم والصحة، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، بما يعكس توجهًا نحو جعل التنمية أكثر شمولًا ومع ذلك، فإن استمرار تحديات البطالة، وضعف إنتاجية سوق العمل، والتفاوت في جودة الخدمات الأساسية بين المناطق، يبرز أن تحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية اجتماعية مستدامة ما يزال يتطلب إصلاحات هيكلية أعمق تركز على تنمية رأس المال البشري وتحسين كفاءة الإنفاق الاجتماعي.
أما على المستوى المؤسسي، فتبرز مؤشرات الحوكمة والتحول الرقمي تحسنًا تدريجيًا في فعالية الإدارة العمومية وجودة التنظيم والخدمات الحكومية الإلكترونية، إلى جانب تقدم نسبي في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد غير أن هذه النتائج تؤكد في الوقت ذاته أن ترسيخ الحوكمة الرشيدة يظل رهينًا بمواصلة إصلاح الإدارة العمومية، وتعزيز استقلالية مؤسسات الرقابة، وتطوير آليات المساءلة والشفافية، بما يضمن استدامة الإصلاحات ورفع كفاءة تنفيذ السياسات العامة.
وفي مجال السياسة الخارجية، أسهمت الدبلوماسية الاقتصادية في تنويع الشراكات وتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية والشركاء التنمويين، الأمر الذي انعكس في ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتوسع التمويلات التنموية، وتحسن مؤشرات التجارة الخارجية كما عززت مشاريع الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة مكانة موريتانيا في الاقتصاد الإقليمي والدولي، وفتحت آفاقًا جديدة لجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن المرحلة) 2019–2026( تمثل مرحلة انتقالية في مسار التنمية الموريتانية، اتسمتبالانتقال التدريجي من سياسات إدارة الأزمات إلى سياسات بناء أسس النمو المستدام، إلا أن نجاح هذه التحولات سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على استثمار العوائد المتوقعة من القطاعات الاستخراجية في تنويع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتحسين جودة الخدمات العامة، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة ومن ثم، فإن التقييم الأكاديمي لهذه المرحلة ينبغي أن يستند إلى متابعة تطور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية على المدى المتوسط والطويل ،مع الاعتماد على البيانات الرسمية وتقارير المؤسسات الدولية، بما يتيح قياس الأثر الفعلي للإصلاحات على تحقيق تنمية شاملة ومستدامة، تتجاوز تحسن المؤشرات الكلية إلى إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد والمجتمع.
المصادر :
- International Monetary Fund (IMF). Mauritania: Article IV Consultation Reports (2019– .1 2026).
- Macro Poverty Outlook.وWorld Bank. Mauritania Country Overview
- African Development Bank. Mauritania Country Strategy Papers.
- United Nations Development Programme (UNDP). Human Development Reports.
- International Labour Organization (ILO). ILOSTAT Database.
- World Health Organization (WHO). Global Health Observatory.
- UNESCO Institute for Statistics (UIS).
- Transparency International. Corruption Perceptions Index.
- World Bank. Worldwide Governance Indicators.
- المكتب الوطني للإحصاء – موريتانيا.
- البنك المركزي الموريتاني.
- قوانين المالية والوثائق الحكومية والاستراتيجيات القطاعية الصادرة خلال الفترة 2019 –2026.



