تدويناتمقالاتمنوعات

خصوصية لحراطين ليست اللون، يا ولد بكار!

الأستاذ إبراهيم بلال رمظان

قرأنا مقالا لمحمد محمود ولد بكار، بدا فيه طوباويا، منقطعا عن الواقع والتاريخ بشكل مؤسف.
لقد حاول، بتفنن في المراوغات والتدليس، أن يجعل الحراطين، بجرة قلم، جزءا لا يتجزأ من البيظان. وتجاهل أن الرابطة الحقيقية، والأعمق، بين البيظان ولحراطين، بات من الواحب علينا جميعا، حفاظا على ماء الوجه، أن ننساها لأنها وصمة عار في جبين تاريخنا، فهي ليست محمدة أو فضيلة أو إنجازا أو رمزا تدفعنا ضمائرنا الوطنية إلى الاعتزاز به والتشبث به والذود عنه وتثمينه، لأن تلك الرابطة ليست إلا جريمة بشعة تسمى الرق.
فمن مصلحة البيظان اليوم، خشية المضي في تشويه صورتهم، أن يعملو دا على محو تلك الرابطة من وجدانهم وذاكرتهم، وليس من الانصاف دعوة الحراطين إلى التمسك بتلك الرابطة والاعتزاز بها، لأن من شأن ذلك أن يعمل على إيقاظ الجراح المؤلمة التي تزيد الشرخ وتوسع الهوة بين مكونات الشعب. لذلك كثيرا ما رفضنا هذه الرابطة خدمة لمبدأ المواطنة، بعيدا عن الإرث التراتبي الظالم الذي يصر ولد بكار على بقائه ضمن منظومة عرقية واجتماعية كانت وما تزال على حساب لحراطين.
وبالتالي، فإننا نقول ونؤكد أنه لا رابطة لمكون الحراطين، أصلا، بمجتمع البيظان سوى الاستعباد. وأي رابطة تلك التي يراد منا اليوم، بعد أن غمرنا الوعي، أن نتشبث بها!. لا، وألف لا.
أليس من حق الحراطين رفض تلك الرابطة العرجاء، والمطالبة باستعادة الكرامة تحت ظل دولة المواطنة المتكافئة؟!. إذا كان الجواب ب”نعم”، كما نعتقد جازمين، فلن يتحقق ذلك إلا من خلال اعتماد تشخيص سليم وموضوعي وتاريخي لروابط هاتين المكونتين، ولما آلت إليه تلك الروابط من تراتبية مشينة ونظرة دونية سخيفة وغبن جلي.
إننا ندرك جيدا هدف مثقفي البيظان من “تغلاظ الفتله” بالحراطين، فهم يحاولون من خلال ذلك تثبيت وتأكيد سردية “البيظان أغلبية”. وصحيح أنه بإضافة لحراطين، كجزء من البيظان، يكون البيظان أغلبية في موريتانيا: أي قرابة 70%.. وإذا افترضنا، غير محقين، أن الأمر كذاك، سنظل نعاني من حقيقة لا مراء فيها، وهي أن أغلبية الأغلبية ظلت مطحونة ومغبونة!!! ومع ذلك يراد للحراطين ان يكتفوا باللحاق بالبيظان كزوائد دودية يمكن علاجها، عند الحاجة، بالتنويم ببعض التعيينات والامتيازات، ويمكن استئصالها، عند الحاجة، بالغبن والتهميش!!
على المدعو محمد محمود ولد بكار أن يستمتع برواتبه المتعددة من عدة موسسات في الدولة، وبمكانته الاجتماعية التي يملأ بأوهامها أحاديثه مع جلسائه، وعليه ان يطمئن على ان سواد بشرته لن يجعله يحسب من لحراطين (ماه فالو)، لذلك، حماية له ولأمثاله، من أدعياء النبل والشرف، ندعوه للتمسك ببيظنته وأن يترك لنا حرطنتنا (المنبثقة عن قرون من الألم الذي عشناه لوحدنا).
وللعلم، فالحراطين لا يجمعهم اللون. وإن كانوا في الغالب الأعم سودا، إلا أن فيهم البيض والدخن، فهم مجتمع هجين بفعل الأصول الأمازيغية لبعضهم، وبفعل دخول الأسياد على “المسترقات”، ليلا، وممارسة الرذيلة معهن بعد تجهيلهن، وتفقيرهن، ووضع أصابعهن على المصحف لترهيبهن أخرويا كما كان يفعل بوالدتنا امباركه علينا بنت عمار ولد امبيريك في حظيرة العهر التي ذاع “صيتها” مؤخرا!!!
إن مصطلح لحراطين كان يطلق على المحررين من العبيد. أما من يعتقدون، أو من أفهموا أنهم لم يكونوا عبيدا أبدا – و هي، لعمري، فرية طبعا – فيطلق عليهم، في بعض المناطق، “الخظر ” أو “الخظارة”. ويكفيهم شرفا وعزا انهم ليسوا احراطين. ولكي تطفأ حرقة الدونية فيهم، فقد استطاع بعضهم امتلاك العبيد – ولم يكن الأمر صعبا – ووضعوا ذلك في سردياتهم الوهمية، مثلما تحول بعضهم إلى “شرفه” بمنطق “الناس مصدقون في أنسابهم”!، خاصة إذا كان في “شرفهم” نصيب من مصلحة البيظان!!
أما اليوم فقد أصبحت كلمة “الحرطاني” تطلق على كل من له جدة، ولو بعيدة جدا، مورس عليها الاسترقاق، فهم، في كل نواحي الوطن، تجمعهم المعاناة المادية والمعنوية: يعانون الفقر المدقع رغم أنهم عمال أشداء في مجالات الأعمال الشاقة (الزراعة والرعي وحمل الأثقال و البناء)، ويمثلون 80% من الجنود، ويتمثل اغلب حضورهم في المؤسسات العمومية والخصوصية في الحراسة وصنع الشاي!!
فيما يخص الملتمس الذي تجاوز عدد موقعيه اليوم 400 شخص،
فإننا نتمنى، بل نود أن تتجنب النخبة صيغ الشيطنة المعروفة والمبتذلة جدا لأنها لا تثري النقاش ولا تقدم الحلول ولا تثني الموقعين عن مواقفهم الجريئة. فالوثيقة صيغت بجهد كبير وبعناية فائقة، واستخدمت أسلوبا سلسا وبسيطا، تقديرا وتكريما للمواطنين الراغبين في تدبرها أو في التوقيع عليها. ولم ترد فيها اية إشارة إلى ” اللون” الذي يبدو أنه بات، في قاموس بعض النخب، إشارة غير بريئة إلى لحراطين. مع أن الجامع للحراطين في كل أنحاء موريتانيا ليس اللون والعرق ولا حتى الشكل، بل إن الجامع لهم هو، بالأساس، الألم والمعاناة المشتركة والمظلمة التاريخية التي تمخضت عن مميزات وخصوصيات ثقافية ووجدانية وموسيقية خاصة بهم.
كل الموريتانيين يعرفون من هم لحراطين، وما هي خصائصهم، وما هو تاريخهم، وما هي أصولهم، وأصول التسمية نفسها ..
فاذا تجاوزنا “اللونية” المذكورة في المقال، وما توحي به من شيطنة للوثيقة، وما احتوته من قاموس القوميين اليوم ، فإن الرد، لنقاش هذا المقال، يكون :
ـ أن لحراطين مكون بخصائصه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المميزة له، رغم التداخل الذي ذكر ولد بكار مع البيظان، والذي لم يشفع لمكون لحراطين في تفادي العنصرية والتهميش والغبن والتجهيل الذي واجهتهم به كل الأنظمة المتعاقبة، والتي كان للقوميين تأثيرهم الكبير عليها، لكنهم، مع ما يتشدقون به من وحدة المكونين، فشلوا في طرح سياسة اندماج تنهي المشكل!
ـ ان الدستور الأمريكي لا يخص السود باعتراف خاص بهم، لكن السود هناك موجودون في القضاء ورئاسة الجامعات والقوات المسلحة والطب وحتى في الرئاسة، على قلة نسبتهم التي تنقص عن 12% مقارنة بمكون لحراطين الذين تصل نسبتهم في الشعب الموريتاني إلى أكثر من 50% من السكان وأقل من 1% في المكاتب . وفي جنوب افريقيا ظهر الحق على الباطل وعادت الأمور إلى حالتها الطبيعية وعاد الاستقرار والأمن، وبدأت التنمية الفعلية تتفتق بعد القضاء على الميز العنصري ! أما في كندا فالدستور أحدث “دولة” للسكان الحمر الذين عانوا من الإبادة، وتم إنصافهم بتلبية مطالبهم. أما في موريتانيا، فإن وضع لحراطين، رغم أنهم أغلبية الأغلبية، إن اعتبرنا جدلا أنهم جزء من البيظان، يختلف تماما، لأنهن يعانون التمييز السلبي بشتى أشكاله، بما فيه منعهم من الحلم بهوية خاصة بهم.
ـ ولا شك ان الدولة لو اتجهت بعدل وإنصاف تجاه لحراطين، لما استوجب منهم ان يطالبوا بدسترة وجودهم، لكنهم يشعرون اليوم بالإحباط وبغياب أية استيراتيجية لإنصافهم سوى الشيطنة والترهيب الفكري والمادي ! كما يردد احد الموقعين على الملتمس
مهما يكن، فإن الحراطين لم يكلفوا تلك الأقلام وتلك المراكز وأولئك المثقفين بتحديد هويتهم، وتركيبهم، كقطع غيار، في مكان قصي من جسم البيظان. فاليوم يملك الحراطين أقلامهم ومثقفين القادرين على القيام بالمهمة على أحسن وجه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق