تدويناتثقافة ودراساتمقالاتمنوعات

السفارة الثالثة…قراءة في كتاب (موريتاني في بلاد فارس، معالم وحكايات) للإعلامي محمد عبد الله ممين

أ.د. الشيخ سيدي عبد الله

سأركز في حديثي هذا على مقاطع محددة من الكتاب، أجدها أقرب لاهتماماتي ولأنها استوقفتني أكثر .. سأحاور بشيء من الاستحضار التناصي بعض النصوص والتيمات التي توزعت في هذا الكتاب كمعكبات الفسيفساء، مانحة إياه ذاك الطعم المغري، وتلك الصورة المراوغة التي تغزو شغفك فتفرض عليك الثواء بين الصفحات والكلمات..
وصل ممين الى إيران في فترة حرجة من تاريخ المنطقة، حيث المزن حمراء، والمطر رماد.. وصفحة السماء خذاريف مسننة..
وصل طهران .. وفي جعبته عشرات الصفحات عن تاريخ الفرس وعلاقتهم بالعرب.. عن ثورة الخميني وتنكر الغرب عشية الثورة للشاه بهلوي..
ربما لم يعد ممين في التسعينات ذاك الشاب الذي عشق كغيره من شباب الأمة ثورة الخميني وخنط الخميني ونعل الخميني .. هذا الاسم الذي ملك قلوب جيل الثمانينات في مختلف بلاد الاسلام..
لكنه ايضا ليس حانقا ولا كارها لحضارة عمرها آلاف السنين .. حضارة قدمت للعرب الشيرازي والتبريري وسيبوه وابن المقفع … قدمت للعالم سحر الشرق وبعض عظمة الشرق…
نظرة شكلانيّة للكتاب توضح لك أن المؤلف اختار نمط الكتابة الدرامية لتكثيف الاحداث ومنحها ما تستحق من وقت وصدقية.. فأغلب الصفحات عبارة عن حوار بين ممين وبعض زملائه حول موقع معين أو حدث.. وهو لا يفوت الفرصة كي يقحم بلده موريتانيا في الحديث.. فأحيانا يقارن بين تواريخ انشاء مدن ايران العتيقة ومدننا القديمة وتحديدا شنقيط، وأحيانا ينتصر للبداوة النقية وما تمنحه من فضل على قريحة الانسان وثقافته عندما يلتقي بدواً إيرانيين.. وأحيانا يحضر ولد هدار على مرمى حجر من شاعر ايران العظيم حافظ الشيرازي.. بل إن الكلمات السائرة لبعض علمائنا تجد طريقها الى الحوار الدائر بين المؤلف ورفاقه .. سيبويه يشبه جمال ولد الحسن الذي قال عنه الشيخ حمدن ولد التاه ذات تأبين باكٍ : إن عمره قصير ولكنه عريض .. ر حم الله الجميع..
ويتذكر ممين واد الناقة وهو يلج مدينة الامام النسائي (نسا)..
ثم تتداعي آلى مخيلته صور مرتفع أشتف، وطلليات محمد ولد أدبه، وهو يشق جبال ومرتفعات همذان.. هذا المشهد الذي سيرفده صوت ديمي وهي تغني :
حد اصيل فتكانت شام ….
.وعندما يقترب من بحر قزوين، يترك العين سابحة في ملكوت الله، الجمال الأخاذ، بينما الأذن في عالم أخر مع الراحل سيداتي ولد آبه رحمه الله وهو يشدو لشاعر لبحير :
ألا يا بحير اللهو والصفو والجنس عليك سلام الله يا وجنة الشمس
عليك سلام الله يا مرتع الصبا ويا مجمع الأحباب والأهل والجنس
ولا شك أنه كان يتمثل قول الشاعر نفسه، من القصيدة نفسها :
ولم تلهني مصر وزهو نعيمها ولم يلهني عنها سرير ولا كرسي
ثم يعيد الكرة مع سدوم وديمي رحمها الله في شريط (عيد المولود) حيث السمفونية الأكثر وجعا وحنينا في النغم الموريتاني المعاصر، ثم النعمة بنت اشويخ وهي تذكره ب (ارديده بين الجديدة واحسي المختار)…
أي عهد بينك وبين فارس ؟ أيها الماخر عباب قزوين ؟
ولا يتوقف المؤلف عند هذا الحد وهو يحاول اقحام بلده وثقافته في كل نقاش أو حديث .. بل نجده عندما زار قبر الشاعر عمر الخيام يقتنص المناسبة للحديث عن بلاده وبأنها بلد المليون شاعر، وبلد القرآن والمحاظر، بلد لمجيدري وولد التلاميد وسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم..
ولا يخلو الكتاب من لمحات طريفة تعيدك الر ولد ممين الانسان، المعروف بظرفه وحسه الطريف، فنجده يتذكر وصية البشير بن امباريكي عندما ابتلاه الله بصحبة أحد الثقلاء، وذلك عندما ابتلي المؤلف بسائق مدخن غاضب وعبوس …
ولا يقتصر المؤلف في التعريف ببلده على ما سبق فحسب، بل نجده عند الحديث عن السينما الإيرانية، يخبر محدثيه عن دور العرض السنيمائية التي كانت تعج بها نواكشوط وبعض مدن الداخل خلال السبعينات والثمانينات، ذاكرا الدور الكبير للراحل الملك همام رحمه الله.
ثم يعرج على السينما الحديثة، ذاكرا مخرجنا العالمي الكبير عبد الرحم سيساقو وأفلامه الذائعة، والتي اكتشف أن بعض الإيرانيين على علم بها.
لا شك أن هذا الكتاب لخص تجربة دبلوماسية من نوع خاص، فهو ليبس مجرد ارتسامات اعلامي رحالة، بقدر ما هو سفارة متنقلة، هذه السفارة التي يقدمها لك المؤلف كجرعات داخل الكتاب .. حيث تحضر موريتانيا العالمة من خلال الطلبة الأفارقة او الآسيويين الذين يدرسون في إيران بينما تعلموا قبل ذلك في محاظر البلاد..
هاهو طالب سنغالي يدرس في مدينة قم الإيرانية، يختاره ممين من بين الحاضرين في مسجد المدينة المقدسة عند الشيعة، ليحاوره فيكشف له الشاب أنه درس في محظرة التيسير على يد آل احمدو الخديم..
وتتعزز السفارة أكثر في النقاش الحاد الذي دار بين المؤلف ورجل الاعمال الشهير الشيخ صالح كامل، في مؤتمر كبير وأمام جمع غفير، عندما آراد هذا الأخير أن يشرب الشعب الموريتاني كاملا في مرقة أفراد قليلين دقت الدراهم بينه وبينهم عطر منشم…

الناظر في سفر ولد ممين هذا لا شك أنه سيستحضر كتب الرحلات القديمة وما تحويه من عجائبيات، وما تند به من رؤية فاحصة وملاحظة دقيقة لكل التفاصيل …
لقد زاد ولد ممين على تلك الروائع بحسه الصحفي ودقة الملاحظة، ومعرفته بما يثير القارئ، وما يعتبر غريبا بالنسبة له..
القارئ هنا ليس قارئ البصرة ولا بغداد ولا دمشق ولا القاهرة خلال القرن السابع او الثامن الهجري..
هنا القارئ ذاك المواطن العربي الذي عرف إيران من خلال الاعلام وتقارير التلفزيونات..
عرف إيران التي يراد له أن يعرف.. إيران العزلة، والاستبداد وخنق الحريات والتشدد المذهبي..
فقط . لا إيران عمر الخيام وهو يصرخ في وجه الكراهية والتزمت :

أولى بهذا القلبِ أن يخفِقَ وفي ضِرامِ الحُبِّ أن يُحرَقَ
ما أضيَعَ اليومَ الذي مَرَّ بي من غيرِ أن أهوى وأن أعشقَ
أفق خفيفَ الظلِ هذا السَّحَر نادى دع النومَ وناغِ الوَتَر
فما أطالَ النومُ عمرًا ولا قَصَّرَ في الأعمارِ طولُ السَّهر
فكم توالى الليلُ بعدَ النهارِ وطالَ بالأنجمِ هذا المدارِ
فامشِ الهُوينا إنَّ هذا الثرى من أعينٍ ساحرةِ الإحورار
ولا إيران الفردوسي وهو يروي في الشاهنامة معنى أن تحب وتتبتل في هيامك ..
ولا (خسرو وشرين) حين العشق والتضحية.. نسخة (ليلى وقيس) الفارسية ..
ولا إيران شيراز حيث تتنفس الشوارع والحارات شعرا.. وحيث تتساقط أوراق الشتاء قصيدة، قصيدة ..
هذا القارئ هو الذي أراد ولد ممين أن يقتحم عليه زنزانته الفكرية الصدئة ليقدم له أيرانا حقيقية … إيران بعين صحفي له رحم شعري مع امحمد ولد الطلبه، لا يمنعه تطاول الليل النازح المتهيج، ولا تلهيه ذكريات ابربيره عن اقتناص الفكرة وقراءة الصورة..
ايران بعين صحفي منحته رمال الصحراء لونها، وغذته بلبان الصبر والجلد .. فعاش للكلمة الحقة لا تلك التي تتلون في الثانية ملايين المرات…
نعم ..
لقد جمع المؤلف في كتابه هذا بين الخبر والتعليق والتحقيق .. فكان يعرف بالأعلام والأماكن وما يمت لثقافة بلده بصلة.. فالهوامش وحدها شكلت كناشا معرفيا أثرى الكتاب وجعل القارئ العربي والقارئ الموريتاني على خط واحد في المعرفة والاستيعاب.
وقف ولد ممين أمام قبر أبي لؤلؤة المجوسي مستاء.. ولم يستطع هو ورفاقه من السنة إخفاء مشاعرهم الغاضبة، من احتفاء إيران المسلمة بقاتل ثاني خليفة للمسلمين ..
ولو كنت حذوه آنها لخففت عليه بلامية عبدة بن الطبيب في فتح بلاد فارس :
هل حبل خولة بعد الهجر موصول أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
إِذا تَجاهَدَ سَيرُ القَومِ في شَرَكٍ كَأَنَّهُ شَطَبٌ بِالسَروِ مَرمولُ
نَهجٍ تَرى حَولَهُ بَيضَ القَطا قُبَصاً كَأَنَّهُ بِالأَفاحيصِ الحَواجيلُ
حَواجِلٌ مُلِئَت زَيتاً مُجَرَّدَةً لَيسَت عَلَيهِنَّ مِن خوصٍ سَواجيلُ
وَقَلَّ ما في أَساقي القَومِ فَاِنجَرَدوا وَفي الأَداوى بَقِيّاتٌ صَلاصيلُ
وَالعيسُ تُدلَكُ دَلكاً عَن ذَخائِرِها يُنحَزنَ مِنهُنَّ مَحجونٌ وَمركولُ
هكذا يعيدنا ولد ممين لأدب الرحلة، وتيمة العجائبي والغرائبي في السرد العربي.. لكن هذه المرة بقلم محايد وحبر بريء، يصف ويرسم ويعلق، دون أن يجرح أو يخدش .. فكل المآخذ كانت عتابا و بردا وسلاما ..
ولد ممين أيضا بكتابه هذا يكمل أضلاع المثلث الشنقيطي في آسيا ..
فبعد أن عرفنا تركيا عن طريق ولد التلاميد ومحمد الامين بن زيني القلقمي، والزاوية الغظفية هناك، وعرفنا الهند وطريق الحرير من خلال ولد فال الخير الحسني الشنقيطي .. ها نحن نسبر أغوار بلاد الفرس عن طريق ولد ممين.. وهنا يكتمل المثلث.. مثلث السفارة العلمية والصوفية والاعلامية…
لقد قدم المؤلف لنا سفرا ممتعا عن بلاد فارس، عن جمالها، وعطائها للبشرية، عن ما قدمته للثقافة العربية والإسلامية من اعلام، نهضوا باللغة، والشعر، والحديث والتفسير والتاريخ ….
كل الاضرحة والمقامات التي زارها المؤلف شكلت اكتشافا للعديد ممن لم يعتقدوا يوما أن النسائي او سيبويه او النيسابوري او ابن سينا او الهمذاني او الاصفهاني او العطار او الشيرازي او الخيام .. كل هؤلاء شكلت تراب ايران مثواهم الأخير …
والحمد لله أن المؤلف لم يلتحق بهم هناك، فقد شك في ذلك خلال ليلة طهران التي سماها (ليلة لا تنسى) أطال الله عمره وحفظه.

هذه هي الزاوية التي آثرت الحديث عنها، فالدبلوماسية الناعمة اليوم أضحت مركبا وثيرا في العلاقات الدولية ..
ولا شك أن هذا الكتاب يدخل في هذا المجال من الباب الواسع .. إنه أول نص موريتاني اطلع عليه يحكي صاحبه عن تجربته في إيران ويقدم بلده للقارئ العربي من خلال المقارنات والاستطرادات التي تقطع الكتاب طولا وعرضا..
أترك التجربة الاعلامية، وما حوته من سبق في التغطيات والمقابلات للقراء الذين تستهويهم تلك المغامرات.. وهم محقون ..
فلقاء قادة مثيرين مثل القذافي وتشافيز ونجاد وعمر البشير وطالباني وعبد الله واد .. ليس تجربة عادية .. إنها مغامرة تستحق أن تروى.. لأنها ستشكل درسا لكل الاعلاميين الشباب الطامحين لولوج السلطة الرابعة..
انبهار العرب بحضارة وثقافة بلاد فارس ليس جديدا، والشعر في ذلك ملأ الدواوين والصحائف، من البحتري وحتى نزار قباني … كنت وأنا يافع .. أقرأ حبور نزار قباني بثورة الخميني، وقد وجدته يلتقي مع هذا الموريتاني السائب في بلاد فارس في مشاعر كثيرة ..
يقول نزار من قصيدة (مواويل دمشقية إلى قمر بغدادي) :
‏زَهَّر اللوز في حدائق شيراز وأنهى المعذبون الصياما
‏هاهم الفرس قد أطاحوا بكسرى بعد قهر وحطموا الأصناما
‏شيعة سنة جياع عطاش كسروا قيدهم وفكوا اللجاما
‏والخميني يرفع الله سيفا ويغني النبي والإسلاما
‏هكذا تصبح الديانة فتحا مستمرا وثورة واقتحاما
تغيرت مشاعر نزار بعد الحرب العراقية الإيرانية، وكتب منتصرا للعراق .. عراق بلقيس الراوي.. :
بغداد يا هزج الأساور والحلى يل مرتع الأحباب والأصحاب
إن النجوم الساكنات هضابكم ذات النجوم الساكنات هضابي
فهل بقيت مشاعر ممين كما هي بعد كل الاحداث والتحولات؟ .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق