مقالات

في ظلال الحروف المختار السالم

ليسَ حتْمًا أن تقبلَ اللّيلَ مرسَاةً لشَاطئ زمنكِ؛ زمنِ لا يشيح عن خاطركَ ولا يشيبِ في سَنَوَاتهِ الثَّملة بالهبوطِ والإقلَاعِ!
أنت المسؤول الأوّل عنْ “مرسم الرّيح والشّيح”! أنتَ سادِن الكَلِمَاتِ؛ مروّض اللّحْنِ في توازن المقامَاتِ الفخْمَةِ حتى في انحناءاتهاَ!
يمكن أن تتوكَّأَ ولو على معوجّ؛ بدلًا من السَّمَاحِ للزّمنِ برفْع مِنْسَأَةِ الأفُولِ فيما تشخصُ أنتَ على أبَوَابِ المدَائِن التي تَــشْرَقُ بالضَّوءِ والحنَينِ بإرثٍ محمُول على ظُهُورِ العِيسِ.. فإيَّاكَ أن تنسَ يا ابن المحظَرةِ!!
للمحظْرَةِ في الرُّبُوع الشّنقيطية تاريخ آسِر، فإن كان “المؤرخون الجدد” يعتبرون أن التاريخ هو حركة المجتمع، وليس تدوينا عن أفراد محدودِين، فلا بد أن تُشَرَّح تلك الحركة بالبحث والدّراسَة والتّحليل، ولكن قبل كلّ شيء بالتوثيق، فحركة المجتمع، صعودا أو هبوطا، هي التي تسمح للمرء بأخذ صورَة وافية عن البيئةِ الاجتماعية، التي أنتجت واقعًا ما في زمانِ ومكان محدَّدَينِ بصيرورة الاستمرار والتحوّل.
والمجتمع المحلّي، عبر القرون، اتخذ عشرَاتِ الوسَائل للبقاء، أو حتى للتميّز عن غيره من مجتمعاتِ البَدْو الرُّحّل، وكانت النّتيجة في ظاهرةِ البادية الوحيدةِ العالمة في التاريخ، والتي كانت نتاج أسَاليب فريدة في السّلوك والمعَاشِ.
ولا شكّ أنّ توثيق معاش المحظرة القديمةِ، أمر بالغ الأهمية للأجيال حتى تدرك كيف نجح أولئك الشّيوخ في جمع كل تلك الأعدَاد الهائلة من الطلاب وتدريسها وإطعامها، وهو بالضّبط ما كان محل تساؤل رئيس مجمع اللغة العربيةِ في مصر، حين تمنى أن يزور شيخًا بعيدًا في الصّحراء الشنقيطيةِ حتى يرى كيف يطعم طلّابَه ويرعاهم رغم النّدرة هناك بين الأدغَال البعيدةِ!
بالفِعْل، شكّل معاش المحاظر، خاصة في فصول القحط تحديًّا لكلّ محظري، والحكاياتُ في هذا المجال يمكن أن تشكّل أطاريح عنْ عصامية ذلك الإنسَان.. إنسان بصدرٍ عَالمِ وبطْن فارغ.
ولقد تعددّتْ أسَاليبُ المحاظر في الحصُولِ على الغذاء من منطقة إلى أخرى، بتنوّع البيئة والتّضَاريس بين جهَات الوطنِ، ولجأت محاظر إلى تشجيع طلابها على زراعَة الحبوبِ سريعة الحصَادِ في الوِدْيَانِ ومعَاطِن الآبَارِ، كما اعتمدت، غالبًا، سياسة “الوجبة الوحيدة” من اللّيل إلى اللّيل، وهو ما عشْتُه شخصيًّا لسَنَوَات.
كانت المحاظر الشنقيطية بارعة في تدريس العلمِ، لكنها كانت أيضا بارعة في تسيير الجوع، حتى لا أقول القضاء عليه، أيّام النّدرة الشّدِيدةِ، التي تدفع شيوخ المحاظر إلى مراسلة كبراء المجتمعِ حول منيحة حلائبِ للطّلابِ، وغير ذلك.
عرفت المحاظر الشّنقيطية بوفرةِ العلم وندرةِ الغذاء، وقد أدت ندرة الغذاء إلى منح الطلاب “حصَانة خَاصّة” تمكّنهم من تجاوز ملكية الآخرينَ في تحصيلِ الغذاءِ، ما دام “تجاوزًا حميدًا”، كحلبِ ما مرّ بهم من حلائب، وذبْحِ شَاة من غنم كبيرة صَادَفتهم.
أمّا هذا العبْد لله، فحينَ وصَل المحظَرةَ، وكان نؤومًا كَسُولًا، فقد اتَّبَعَ استراتيجيةً مضمونة، وهي الاحتيال على غذَاء الشّيخِ، الذي يمنعه حياؤه ومكانته العلمية، من أن يبين الشّكوى من أحد طلبتهِ في شأنِ لُقَيمَاتٍ، وكان، رحمة الله عليه، شديد الإعجَابِ “بما يطرح من الأَسئلة بعد المحمَلةِ”، أو هكذا كان يقول!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق