خاطرة 38 في عصر التراكمات – تراكم المعرفة والعلاقة الجدلية مع الفكر الآخر :
في موريتانيا وفي بعض الاقطار العربية في مرحلة المعلوماتية الحديثة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعية
في كل يوم أقرأ اكثر من تدوينة تتحدث عن مدح فئة عرقية او ذمها – او مدح فئة مذهبية او ذمها – او مدح فئة سياسية او ذمها او مدح فئة قومية او ذمها – او مدح قبيلة بعينها والتفاخر بأمجادها – او مدح جهة او منطقة والتباهي والتفاخر بها أو ذمها – او مدح فئة اجتماعية كبيرة او صغيرة او ذمها
وكلامي اخص به موريتانيا رغم ان ما يماثل هذا موجود على مستوى الوطن العربي وكثير من بلدان العالم المتخلف
وقد تختلف المسميات حسب الخلافات والمكونات الشعبية لتلك البلاد
واذا كانت الاخطار كبيرة في بعض البلدان التي انفجرت فيها الخلافات وادت الى الدمار والخراب والقتل والتشريد
فإن الاخطار في موريتانيا والعديد من الدول العربية الهادئة نسبيا حاليا تأتي من هذا الطرح اليومي لأفكار الانقسام والكره والازدراء الذي يتراكم كما تتراكم الزيرات ( التلال الرملية ) بإضافة حبة رمل الى اخرى لتصبح بعد حين تلة كبيرة دون أن يشعر الناس بكيفية وصولها الى هذا الحد من الضخامة
ولا اظن ان هذا التحرك الفكري اليومي سببه من الداخل بل هو حتما بدفع وتحريك خارجي ؟
والدليل الواضح ان الناس متعايشة منذ الاف السنين فهل افاقوا اليوم على الواقع أم أن أحدا من الخارج حرك هذه الامور وهو ما حصل بالفعل ؟
ولا اتهم من يكتبون مباشرة بذلك – فقد تكون كتاباتهم ردودا على ماكتبه غيرهم – وهكذا دواليك – وكما يحصل للناس في نظرية الحشد عندما يجتمعون في مكان واسع – وهي حالة نفسية درسها العديد من علماء النفس وعرفوا الميكانيزما التي تسيرها – والتي استخدمت واستغلت على مستوى العالم – ايجابا او سلبا حسب رغبة المستفيد الذي يشغلها
وانطلاقا من مبدأ فرق تسد – وانطلاقا من الفوضى الخلاقة
يحرك البعض من يريدون فيتحرك غيرهم على مبدأ نظرية الحشد فتنتقل العدوى الى اعداد كبيرة غيرهم حيث تصبح القضية وكأنها موضة العصر او المرحلة
علما انني اعرف شخصيا من خلال تجربتي الشخصية عندما كنت مدرسا في تكوين المعلمين في نواكشوط – ان الشباب الموريتاني كان يأنف ان يذكر اسم قبيلته اذا ما سئل عنها –
فكيف له ان يتفاخر او يتباهى – وهذا نفسه كان حاصلا في كل الاقطار العربية الاخرى – حيث كان الناس يخجلون من التحدث في الطائفية او الاقليمية او التعصب للدين او العرق او المذهب – بينما استطاع محركوا الفوضى الخلاقة ان يجعلوا جماهير نفسية الحشد التي تقتل اخوتها وتعادي جيرانها وتختلق عداوات لم تكن موجودة – بل تم استبدال الاعداء الحقيقيين باعداء كانوا اخوة منذ اقدم الازمنه
ولا توجد دولة او مجتمع في العالم الا وفيه انواع وفئات اجتماعية او عرقية او دينية او طائفية كثيرة – لكنها تتعايش في كل بلاد العالم وتعتبر التنوع ميزة ونعمة وليس سبيلا للاقتتال و نقمة على الافراد والدول
وحتما لا يكون الناس منهمكون يوميا لاثارة نعرات التفرقة بينهم –
إن نظرة الى اميركا – او دول اوربا – او اي دولة متقدمة في آسيا كالصين او الهند وروسيا – او افريقيا – او استراليا – نجد تعايش مئات الاديان او القوميات او الاعراق بكل هدوء وانسياب ومحبة – فلماذا لا نكون نحن كذلك – لماذا لا تسود المواطنة وحب الوطن والعمل بجد واخلاص لبنائه وتطويره بغض النظر الى تلك الافكار الرجعية التافهة التي تميز بعض ابناء الوطن عن بعضه الآخر
وما اريد التنبيه الى خطورته هو تلك التدوينات او التعليقات التي يكتبها البعض جارحا فيها مشاعر البعض الآخر – ورغم عدم وجود ردود افعال مادية ملموسة آنية – لكن بوحود ردود كلامية ومعنوية مماثله بل اقوى منها –
وهكذا تتراكم يوما بعد يوم في اللاشعور الفردي بل والجمعي تلك الاقوال التي تحكى هنا وهناك أو تكتب هنا او هناك لتشكل كما كبيرا يتزايد يوما بعد يوم – ورغم انه لا يظهر للعين المجردة لكنه موجود بالفعل في النفوس – وعندما تأتي الشرارة في وقت ما , من قبل الجهة الدارسة للمنطقة والراغبة في اشعالها – وكل ما نراه من صراعات منتشرة في انحاء العالم ليست الا نتيجة لتراكمات افعال واقوال صغيرة متراكمة – لكنها عند تجمعها تصبح جبالا من الحقد والكراهية تنفجر براكين جارفة ضد الجهة التي سببت لها هذا الحقد – اخي في الوطن اينما كنت حذاري من اي كلام او فعل يسيء او يقسم او يشعر الآخر بانه دونك او انك لاتحبه وانك متعال عليه – واستبدل هذا بكلام يشعر الجميع بالاخوة والمحبة والتمسك بالوحدة الوطنية والاخوة الانسانية لان ذلك يبعث امانا واستقرارا للجميع ويبعد كل شر واذى عن الوطن
والى خاطرة قادمة باذنه تعالى ادعكم بخير –
دمتم للفنان الباحث فريد حسن